الذكاء الاصطناعي – صديق كُتّاب المُحتوى الجديد أم العدو؟

في السنوات الأخيرة، خرج الذكاء الاصطناعي من إطار المفهوم الأكاديمي ليصبح جزءاً من تفاصيل حياتنا اليومية. ليس كذلك وحسب، بل وامتد ليطرق أبواب العمل الإبداعي الذي لطالما ظننا أنه عملٌ إنسانيٌّ بحت، بما في ذلك مجال كتابة المحتوى.
أثار هذا الحضور السريع جدلاً واسعاً بين كُتاب المحتوى، فبعضهم يراه فرصةً ذهبية لتحسين إنتاجيتهم وتعلم مهارات جديدة، بينما يعدُّه آخرون تهديداً مباشراً لمصدر رزقهم ومستقبلهم المهني.
لفهم أسباب هذا القلق، علينا أن نتأمل طبيعة مهنة كاتب المحتوى، فهي تقوم على الإبداع، وتنظيم الأفكار، وفهم الجمهور المستهدف، مهارات ظلّت لفترة طويلة حِكراً على البشر. لكن، ومع ظهور أدوات قادرة على كتابة المقالات ووصف المنتجات، وصياغة محتوى المواقع ومنصات التواصل خلال دقائق، بدأ بعضهم يشعر وكأن هذا التطور هو إعلان رسمي عن انتهاء الحاجة إلى الكاتب البشري.
ومع ذلك، فإن التاريخ يذكرنا بأن هذه المخاوف ليست جديدة وقد حصلت مثيلاتها في الماضي، ففي مطلع الألفية، ومع انتشار الإنترنت، سادت التوقعات بانقراض الصحافة الورقية على مستوى العالم. لكنها لم تختفِ، بل أعادت تشكيل نفسها، وتأقلمت مع التكنولوجيا الجديدة، فأطلقت منصات رقمية، وخلقت أشكالاً جديدة من الوظائف وفرص العمل، مثل محرر المحتوى الرقمي ومختص تحسين محركات البحث وغيرها.
وبناءً على تجاربنا السابقة، نستطيع أن نقول إن السؤال الحقيقي في يومنا هذا لن يكون “هل سيحل الذكاء الاصطناعي محل كتّاب المحتوى؟” بل “هل نحن مستعدون لتقبّل الشكل الجديد لهذه المهنة؟”
الذكاء الاصطناعي: خصم أم شريك؟
السؤال الذي يشغل معظم الكتّاب اليوم هو “هل الذكاء الاصطناعي منافس يهدد استمرارنا بالمهنة، أم أداة تضاعف إنتاجيتنا وتمنحنا مساحة أوسع للإبداع؟”
لنفترض أنّك كاتب محتوى لموقع تعليمي، ومطلوب منك إنتاج 15 مقالاً شهرياً. سابقاً وبطرق العمل التقليدية، كان يستغرق طلب كهذا أسابيع من العمل المتواصل، خاصةً إذا كان المحتوى يتطلب بحثاً معمقاً وصياغة دقيقة، أما اليوم، وبوجود أدوات الذكاء الاصطناعي، أصبح بإمكانك إنتاج الكمية ذاتها وأكثر في اليوم الواحد، وهنا يظهر الفارق الكبير:
- إذا اكتفيت بأداء المهام بالطريقة النمطية التقليدية، فقد تُعرِّض نفسك فعلاً للاستبدال، فعدم مواكبتك للتكنولوجيا والتحديثات يجعلك شخصاً من السهل الاستغناء عنه..
- أما إذا استخدمت الذكاء الاصطناعي لإنجاز المسودات الأولية للعمل، والحصول على أفكار وعناوين مبدئية، ثم أضفت خبرتك ولمستك الإبداعية، فأنت تزيد من انتاجيتك وتُوفر الوقت والجهد.
الذكاء الاصطناعي ليس “كاتباً” بالمعنى الإنساني، بل “مولّد نصوص” يعتمد على البيانات المُدخلة إليه والأنماط التي تم تدريبه عليها. ما يفتقده على الرغم من تطوره هو الفهم العميق للسياق، والنبرة التي تبني علاقة المحتوى بالقارئ، والقدرة على سرد قصة مرتبطة بالواقع المحلي أو التجربة الشخصية، لذلك يبقى بحاجة إلى لمسة الإنسان التي تمنحه العمق والصدق والقدرة على التواصل الحقيقي مع الجمهور.
الخلاصة أن العلاقة بين الكاتب والذكاء الاصطناعي يجب أن تُبنى على مبدأ الشراكة لا المنافسة، فيُمكن أن تتكفّل أدوات الذكاء الاصطناعي بالمهام الروتينية لإنجازها بشكل سريع، ثم يتدخل الكاتب ليُضيف لمساته وتعديلاته ليُميز بها النص عن مُخرجات الذكاء الاصطناعي الأُخرى.
فرصة لتكتب بأكثر من لغة
من المجالات التي تتقاطع مع كتابة المحتوى بشكل مباشر هو مجال الترجمة، ومع تطور أدوات الذكاء الاصطناعي، أصبح بالإمكان ترجمة النصوص من العربية إلى الإنجليزية بجودة عالية، تتفوق بنسبة كبيرة على ترجمة البشر.
حيث لم يعد ضرورياً أن تكون متقناً للإنجليزية لتترجم إليها، فالذكاء الاصطناعي يمكنه أن يُنتج لك نسخة أولية سليمة لغوياً عند ترجمته أي نص للإنجليزية، ليتحول دورك في هذه الحالة إلى المحرر والمدقق لما يُنتجه الذكاء الاصطناعي، للتأكد من أن الترجمة دقيقة وواضحة ومناسبة للسياق المطلوب.
أما عند الترجمة من الإنجليزية إلى العربية، فيزداد دورك أهميةً، فالفروقات الثقافية تجعل الذكاء الاصطناعي يخطئ أحياناً في الصياغة أو فهم السياق. لذلك، تلاحظ هنا أن دورك ليس فقط التدقيق والمراجعة لنُسخ الذكاء الاصطناعي الأولية، بل في بعض الأحيان تحتاج إلى إعادة الصياغة والمساهمة في الإنشاء كي تحافظ على الروح والنَّفَس الذي تتمتع به لغتنا العربية، وتُبقي الأسلوب قريباً ومألوفاً للقارئ العربي.
امتلاكك لمهارة الكتابة بلغتين يمنحك ميزة تنافسية قوية في سوق العمل، فكما ذكرنا مُسبقاً، تُفضل نسبة كبيرة من الشركات التعامل مع كاتبٍ واحد ينتج المحتوى باللغتين مع الحفاظ على الأسلوب نفسه والنبرة، بدلاً من توزيع المهام بين أكثر من شخص، لذا إن كنت تود أن تصبح كاتباً بلغتين، فإن عصر الذكاء الاصطناعي جعل هذا الهدف أسهل تحقيقاً من أي وقت مضى.
فرصة لتكتب بما يتوافق مع معايير محركات البحث
كثير من الكتّاب يتعاملون مع تحسين محركات البحث وكأنه عمل منفصل عن الكتابة، لكن الحقيقة أن الكاتب الذي يفهم أساسيات السيو/SEO ويدمجها في عملية الكتابة منذ البداية يمتلك أفضلية واضحة على منافسيه. هنا يأتي دور الذكاء الاصطناعي كشريك عمليٍّ في هذه الخطوة، يساعدك على قراءة بيانات الأداء وتحليلها من أدوات مثل Google Search Console، واستخلاص الدروس منها، ويمكنه أن يقدّم لك اقتراحات مبنية على الكلمات المفتاحية الأكثر جذباً للنقر، وأيضاً تحليل معدلات النقر، وحتّى ترتيب صفحاتك في نتائج البحث، بحيث تحصل على خطة واضحة لتحسين ظهور محتواك وبخطواتٍ مشروحة ومُفصلة.
فقد سبق وتحدثنا في الفصل الرابع عن السيو الداخلي (On-Page SEO) وكيف يؤثر على ترتيب الصفحات، الآن وجود الذكاء الاصطناعي يمكن أن يجعل هذه العملية أسهل من خلال تحديد أنسب الأماكن لاستخدام الكلمات المفتاحية داخل النصوص، وتحسين بنية المقال عبر ترتيب العناوين بشكل صحيح (H1 وH2)، وكتابة بيانات وصفية (Meta Details) متوافقة مع معايير محركات البحث، بالإضافة إلى اقتراح عناوين قصيرة وواضحة تدعم ظهور الصفحة في نتائج البحث.
الكاتب الذي يجمع بين القدرة على الكتابة الإبداعية وفهم هذه الجوانب التقنية ينتقل من كونه مجرد كاتب محتوى إلى كاتب محترف مواكب للتطورات ومتخصص في كتابة المحتوى المتوافق مع معايير محركات البحث بأكثر من لغة، وهو بالضبط ما تبحث عنه الشركات اليوم، محتوى جذاب للقُراء وملائم لمحركات البحث في الوقت نفسه.
بالإضافة إلى ذلك، تُفضّل الكثير من الشركات التعامل مع كاتب قادر على نشر المحتوى على موقعها الإلكتروني باستخدام منصات مثل ووردبريس (WordPress) وتنسيقه بشكل احترافي من دون الحاجة إلى متخصص آخر. وللعلم نحن هنا لم نتطرق إلى تخصص آخر، فرفع أو نشر المحتوى ليست مهارة معقدة أو حكر على المبرمجين، بل يكفيك ككاتب محتوى أن تعرف أساسيات النشر، وهي أمور يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعدك على تعلّمها خطوة بخطوة من خلال شروحات وأمثلة عملية.
يمكن أيضاً الاستفادة من الذكاء الاصطناعي لفهم كيفية استخدام أشهر إضافات السيو/SEO على منصة ووردبريس مثل Yoast SEO و Rank Math، والتوسع في معرفة مفاهيم متقدمة مثل GEO وAEO التي تحدثنا عنها سابقاً. فهمك لكل ما سبق يضعك في مستوى أعلى من المنافسة ويجعل محتواك جاهزاً للظهور في نتائج محركات البحث وإجابات محركات البحث التوليدية.
لكن السؤال المهم يبقى “كيف يمكن الاستفادة من كل هذه الإمكانيات بذكاء؟” الجواب يبدأ من الطريقة التي نتواصل بها مع أدوات الذكاء الاصطناعي. فكما أن ترتيب العناوين واختيار الكلمات المفتاحية بعناية يصنع فرقاً في السيو/SEO، فإن وضوح الطلب (Prompt) الذي تكتبه لأدوات الذكاء الاصطناعي هو ما يحدد جودة النتيجة التي ستحصل عليها من أدوات الذكاء الاصطناعي.
لهذا سنستعرض الآن أربعة قوالب عملية تساعد على كتابة أوامر موجهة بدقة لأدوات الذكاء الاصطناعي، وتزيد من فرصة الحصول على نتائج دقيقة وملائمة لاحتياجاتك.
أربعة قوالب لكتابة أوامر لأدوات الذكاء الاصطناعي
مع الانتشار السريع لتقنيات البحث التوليدي وأدوات الذكاء الاصطناعي مثل Perplexity و ChatGPT و Gemini، أصبح الاعتماد عليها يتزايد يوماً بعد يوم. ومع ذلك، ما زلنا نسمع كثيراً من الانتقادات لهذه الأدوات، حيث يرى بعضهم أن إجاباتها متشابهة وتأتي دائماً في القالب نفسه.
أحد الأسباب الشائعة لهذا الانطباع هو طريقة صياغة الطلبات نفسها، فهناك من يكتفي بكتابة طلبه بطريقة عامة ومختصرة مثل “اكتب مقال عن كذا” دون أي تفاصيل، فيحصل على رد سطحي وعام دون أي تخصيص. وعلى الطرف الآخر، هناك من يبالغ في تفصيل طلبه مُعتقداً أن الإطالة ستؤدي إلى نتيجة أفضل، وهو ما ليس صحيحاً بالضرورة.
لهذا السبب، تم تطوير مجموعة من القوالب العملية التي تساعد المستخدمين على صياغة طلباتهم بشكل منطقي وواضح، للحصول على أفضل النتائج من أدوات الذكاء الاصطناعي.
قالب C-L-E-A-R
قالب C-L-E-A-R يساعد على تحويل الطلب من فكرة عامة إلى صياغة واضحة ومنظمة تقود إلى مخرجات دقيقة وذات قيمة، فكل حرف يمثل خطوة مهمة يجب تضمينها في الأمر قبل إرساله للأداة.
- السياق (Context): كتابة خلفية مختصرة تُوضح للأداة الإطار العام للطلب. على سبيل المثال، الرغبة في إعداد مقال تعريفي عن الطاقة المتجددة لمدونة تستهدف طلاب الجامعة. هذا التوضيح يسمح للذكاء الاصطناعي بفهم السياق بشكل أفضل وكتابة ما يُناسب الموضوع والشريحة المُستهدفة.
- الطول (Length): تحديد حجم المخرجات المطلوبة يمنع الإجابات القصيرة جداً أو المبالغ في طولها. في المثال نفسه يمكن تحديد: المقال لا يتجاوز 300 كلمة. هذا التوضيح يساعد على الحصول على نص متوازن وسهل القراءة وبالطول المطلوب.
- التوقعات (Expectations): توضيح الشكل أو الأسلوب المتوقع للمخرجات يجعل النتيجة أقرب لما يلزم. مثلاً: يُفضل أن يكون الأسلوب مُبسطاً ويعتمد اللغة التعليمية في الطرح مع هيكلية واضحة. بهذه الطريقة يصبح النص مناسباً للجمهور المستهدف، وهم في مثالنا: الطلاب.
- الإجراء (Action): شرح الغاية من الطلب يساعد الأداة على اختيار أفضل طريقة لعرض المُخرجات. مثلاً: الهدف من المقال رفع الوعي بمصادر الطاقة النظيفة وتحفيز القراء على الاهتمام بالموضوع. هذا التوضيح يجعل صياغة المقال أكثر تحفيزاً للقارئ.
- النتيجة (Result): تحديد الشكل النهائي المطلوب من المخرجات يعطي وضوحاً إضافياً للأداة. في المثال السابق: النتيجة المتوقعة مقال جاهز للنشر يتضمن مقدمة وعرض وخاتمة مختصرة تلخص الأفكار وتشجع على البحث أكثر في المجال. هذا التوضيح يساعد الأداة في إعطاء نتيجة أدق ويضمن أن يكون النص كاملاً وقابلاً للاستخدام الفوري.
قالب P.A.R.A
قالب P.A.R.A يساعد على صياغة طلبات مرتبة ومنطقية، خاصة عندما يكون الهدف حل مشكلة أو الحصول على توصية عملية. كل حرف يوجهك لصياغة جزء محدد من الطلب بحيث تصبح النتيجة النهائية أكثر فائدة.
- المشكلة (Problem): الخطوة الأولى هي توضيح المشكلة أو التحدي الذي ترغب بمعالجته، فوضوح المشكلة يساعد الذكاء الاصطناعي على فهم هدفك بشكل أدق. على سبيل المثال: مبيعات المتجر الإلكتروني انخفضت بنسبة 15٪ خلال الشهر الماضي مقارنة بالشهور السابقة. هذه الجملة تعطي فكرة واضحة عن طبيعة المشكلة التي تواجهها وجميع التفاصيل والأرقام المرتبطة بها.
- التحليل (Analysis): بعد تحديد المشكلة، من المفيد تقديم أي بيانات أو سياق إضافي يساعد على فهم أسبابها. في المثال السابق، يمكن ذكر: الميزانية الإعلانية لم تتغير، وعدد الزيارات إلى الموقع ثابت تقريباً، ولكن نسبة التحويل انخفضت بعد تحديث تصميم واجهة الدفع. هذا التحليل يوجه الذكاء الاصطناعي للنظر في تجربة المستخدم كسبب محتمل.
- التوصية (Recommendation): في هذه المرحلة يتم طلب اقتراحات أو حلول عملية بناءً على المشكلة والتحليل الذي أضفته. مثلاً: اقتراح تحسينات على تجربة الشراء مثل تبسيط خطوات الدفع، إضافة خيارات دفع جديدة، أو توفير عرض ترويجي لتحفيز العملاء على إتمام الشراء. هذا الجزء يساعد الأداة على إنتاج أفكار قابلة للتطبيق.
- الإجراء (Action): الخطوة الأخيرة تحدد الشكل العملي للمخرجات المطلوبة. في المثال نفسه، يمكن ذكر: تقديم قائمة خطوات تنفيذية مقترحة مرتبة حسب الأولوية، يمكن تطبيقها خلال 30 يوماً مع خطة متابعة لقياس النتائج. هذه الجملة توجّه الذكاء الاصطناعي لتقديم مخرجات عملية جاهزة للاستخدام وليست مجرد أفكار عامة.
قالب I-A-I
يُعد قالب I-A-I وسيلة فعّالة لتنظيم الطلبات وجعلها أوضح وأكثر دقة. يرتكز هذا القالب على ثلاثة عناصر رئيسة، التعليمات والتفاصيل الإضافية والنية.
- التعليمات (Instructions): هنا يتم توضيح المطلوب بشكل محدد حتى يعرف الذكاء الاصطناعي ما الذي يجب أن يقدمه لك. على سبيل المثال، إذا كان الهدف تنظيم تواجد الشركة على وسائل التواصل الاجتماعي، يمكن صياغة الطلب بهذه الطريقة:
“أريد منك إعداد خطة محتوى أسبوعية لحساب شركة (اسم الشركة – مجال عمل الشركة – المكان الذي تُقدم فيه الشركة خدماتها أو مُنتجاتها) على منصة انستغرام تشمل أفكاراً تناسب نشاط الشركة”.
هذه الجملة تخبر الأداة مباشرة بنوع المخرجات المطلوبة (خطة محتوى) والمنصة المستهدفة (انستغرام).
- التفاصيل الإضافية (Additional details): تُستخدم هذه المرحلة لإضافة معلومات تجعل الإجابة أكثر دقة وملاءمة للسياق. في المثال السابق، يمكن إضافة تفاصيل مثل:
“يجب أن تتضمن الخطة خمسة منشورات مُوزعة على مدار الأسبوع، مع اقتراح أنواع مختلفة من المحتوى، مثل المنشورات بصورة واحدة والفيديوهات القصيرة والقصص، وعناوين تشجع الجمهور على التفاعل”.
هذه التفاصيل توضح حجم المخرجات وطبيعتها، ما يقلل من احتمالية الحصول على رد عام ومُتشعّب.
- النية (Intention): توضيح الهدف النهائي يساعد الذكاء الاصطناعي على اختيار النبرة والأسلوب الأمثل. في المثال نفسه، يمكن أن تكون النية كما يلي:
“الهدف من خطة المحتوى هو رفع معدل التفاعل على الحساب بنسبة 20٪ خلال الشهر القادم وتحسين ظهور العلامة التجارية لدى الجمهور المستهدف”.
تحديد النية بهذه الطريقة يوجّه الذكاء الاصطناعي ليقترح أفكاراً عملية ومركزة على زيادة التفاعل لا مجرد أفكار عشوائية.
قالب T-A-G
يساعد هذا القالب على ضبط أسلوب الإجابة وتوجيهها لتناسب القارئ والغرض من النص. استخدامه يجعل النتائج متناسقة مع ما تتوقعه من حيث النبرة والجمهور والهدف.
- النبرة (Tone): تحديد النبرة يساعد الذكاء الاصطناعي على اختيار الأسلوب المناسب للكتابة. على سبيل المثال: النبرة المطلوبة رسمية ولغة واضحة تصلح لمقال مهني. هذا التوضيح يجعل النص يخرج بشكل احترافي وليس عفوياً أو غير منظم.
- الجمهور (Audience): ذكر الفئة المستهدفة يضمن أن تكون اللغة والمصطلحات مناسبة لهم. مثلاً: الجمهور المستهدف هم أصحاب شركات صغيرة يبحثون عن طرق تحسين التسويق الرقمي. هذه المعلومة تجعل الذكاء الاصطناعي يختار مستوى لغة بسيط وأمثلة عملية تناسب هذا النوع من القراء.
- الهدف (Goal): تحديد الغاية النهائية من النص يوجّه الذكاء الاصطناعي نحو نتيجة عملية. في المثال نفسه، الهدف هو تشجيع القراء على تجربة أدوات إدارة وسائل التواصل الاجتماعي لزيادة المبيعات. هذا التوضيح يوجه النبرة لتكون محفزة ويجعل المحتوى مقنعاً.
وعلى الرغم من فاعلية هذه القوالب في تحسين جودة الكتابة، فإنها لا تُغني عن المراجعة البشرية التي تُكمل عمل الذكاء الاصطناعي.
كيفية مراجعة المحتوى الذي يكتبه الذكاء الاصطناعي وتحريره ليبدو بشرياً
الذكاء الاصطناعي قادر على إنتاج آلاف الكلمات في دقائق، لكن هذه النصوص كثيراً ما تحمل علامات تكشف أنها مولَّدة آلياً، ودورك كمحرر ومدققٍ لهذه الكلمات هو أن تضبط النص وتمنحه تلك الروح واللمسة البشرية، وفيما يلي أبرز الجوانب التي يجب الانتباه إليها أثناء المراجعة:
- تشابه الجملة الأولى
عادةً يبدأ الذكاء الاصطناعي مقالاته بعباراتٍ جاهزة، مثل: In today’s fast-paced world…. وجود مثل هذه المقدمة مؤشر واضح على أن المحتوى مولد آلياً. مهمتك هي إعادة صياغة المقدمة بما يُشابه أسلوب العلامة التجارية أو الجهة التي تكتب لها، مثل أن تبدأ بسؤال أو إحصائية أو عرض مشكلة ما.
- كثرة استخدام علامة الترقيم em dash (—)
يميل الذكاء الاصطناعي إلى الإفراط في استخدام علامة الترقيم em dash (—) في أماكن كثيرة لا تحتاج إليها، ما يجعل النص يبدو متصنّعاً وغير طبيعي. على سبيل المثال قد يكتب: “هذا المنتج — الذي أثبت فعاليته — يساعدك على تحقيق نتائج مذهلة”، في حين أن هذه الجملة يمكن أن تكون أبسط وأوضح بدون استخدام هذه العلامة.
- النمط الثلاثي في السرد
غالباً ما يعتمد الذكاء الاصطناعي في كتابة المحتوى على النمط الثلاثي في السرد، حيث يقدم الفكرة دائماً على شكل: “تساعدك في كذا وكذا وكذا”، حتى في الموضوعات التي لا تحتاج هذا الترتيب. على سبيل المثال: “هذا التطبيق يساعدك على إدارة وقتك، وزيادة إنتاجيتك، وتحقيق النجاح”، أو “التسويق عبر البريد الإلكتروني يتيح لك بناء علاقة مع العملاء، وزيادة المبيعات، وتحسين الوعي بالعلامة التجارية”. هذا الأسلوب المتكرر يجعل النص مُتوقَّعاً وجامداً، ويُفقده الطابع البشري.
مهمتك كمحرر هنا أن تكسر هذا النمط بالتنويع. يمكنك الاكتفاء بنقطتين فقط أو حتى نقطة واحدة مع شرح موسع، مثل: “هذا التطبيق يساعدك على إدارة وقتك بذكاء، لتنجز مهامك اليومية دون ضغط”. كما يمكنك استبدال التعداد بقصة قصيرة أو مثال واقعي، مثل: “تخيّل أن أحد عملائك تلقى رسالة شخصية منك عن عرض خاص، ففتح البريد واشترى المنتج مباشرة. هذه هي قوة التسويق عبر البريد الإلكتروني”. بهذه الطريقة يصبح النص أكثر طبيعية وسلاسة وأقرب لأسلوب الكاتب والقارئ البشري.
- الاستخدام المتكرر للكلمات والعبارات نفسها
ستجد في مخرجات الذكاء الاصطناعي كلمات مُكررة، مثل: Revolutionary، Unlock، Unleash، Potential، Delve into، Dive into، Game changer، State-of-the-art، meticulous. هذه المصطلحات تجعل النص يبدو آلياً بحتاً. في هذه الحالة، يمكنك كمدقق استبدالها بمفردات واقعية وأقرب إلى أسلوب الجمهور المستهدف.
- استخدام تنوين النصب قبل الألف، لا على الألف
يميل الذكاء الاصطناعي في النصوص العربية إلى استخدام تنوين النصب قبل الألف ( ًا) بدلاً من وضعه على الألف (اً)، فتظهر الكلمات بهذا الشكل: تطويرًا مستمرًا أو عملًا رائعًا.
- اختلاق الإحصائيات والمراجع
من الأمور الشائعة في النصوص المولدة آلياً اختلاق الإحصائيات والمراجع أو استخدام أرقام عامة وغير دقيقة، فقد تقرأ جملةً مثل: “أظهرت الدراسات أن 80% من الناس يفضلون هذا النوع من المنتجات”، أو “تشير الأبحاث الحديثة إلى أن الإنتاجية زادت بنسبة 45٪ خلال العام الماضي”، دون وجود مصدر واضح أو مرجع يمكن التحقق منه. هذه الصياغة قد تبدو مُقنعة للوهلة الأولى لكنها تُضعف مصداقية المحتوى نظراً لغياب وجود مرجع أو مصدر حقيقي.
مهمتك كمحرر هي التحقق من هذه الأرقام والمراجع، واستبدالها بمصادر حقيقية وحديثة يمكن للقارئ الرجوع إليها، وإن لم تتوفر بيانات دقيقة عن الموضوع الذي تكتب عنه، يمكن صياغة الفكرة بشكل وصفي أو مدعوم بخبرة عملية، مثل: “يلاحظ الكثير من المستخدمين تحسناً ملحوظاً في الإنتاجية عند اعتماد هذه الأداة”، فبهذه الطريقة يبقى النص واقعياً وموثوقاً دون أن يفقد جاذبيته.
وكنتيجةً لما سبق، فإن الذكاء الاصطناعي ليس نهاية مهنة كتابة المحتوى، بل أداة جديدة تتطلب من الكاتب أن يكون أكثر وعياً وذكاءً في استخدامه واستثماره، فالمنافسة لم تعد فقط بين كُتّابٍ عاديين، بل بين الكاتب الذي يعرف كيف يوازن بين لمسته الإبداعية ومخرجات الذكاء الاصطناعي، وبين من يكتفي بالنصوص الجاهزة كما هي.
بقلم: باسل الأمير حسن